محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
168
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ديننا الإفساد ، وليس في موالاة الكفّار إلّا صلاح الفريقين . قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ بالكفر ؛ والكفر فساد في الأرض ، وكفران النعم ، وقطع الرحم ، وإقدام كلّ امرئ على ما تدعوه إليه نفسه وهواه ؛ وقيل : إنّهم ظنّوا أنّ في ممايلة المشركين صلاحا لهم ، كما قال تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ . فبيّن اللّه تعالى أنّ الأمر ليس كما توهّموه وأنّ الكفّار لو ظفروا بهم لم يبقوا عليهم ، وهذا معنى قول مجاهد وأبي إسحاق ؛ وقال الزجّاج : لا تفسدوا في الأرض ، أي لا تصدّوا عن سبيل اللّه ؛ وقال في قوله : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ وجهان : أحدهما أنّهم يظنّون أنّهم مصلحون ، والثاني أنّ الشيء الذي هو إفساد عندكم فهو إصلاح عندنا . وقيل في قوله ولكن لا يشعرون : إنّ ما ظنّوه إصلاحا هو إفساد ؛ وقيل : لا يشعرون مآل حالهم . ومفعول الإصلاح « 1 » والإفساد هاهنا محذوف ، والتقدير : لا تفسدوا أنفسكم بالكفر ، أو الناس بالإضلال . قالوا : إنّما نحن مصلحون أنفسنا أو الناس . وقال المبرّد : « لكن » من حروف العطف وهي للاستدراك بعد النفي ، ولا يجوز أن تدخل بعد واجب إلّا لترك قصّة إلى قصّة تامّة ، نحو قولك : جاءني زيد لكن عمرو لم يأت ؛ وما جاءني زيد لكن عمرو ؛ وهذا استدراك بعد النفي . الأسرار قال أهل الحقّ والتحقيق والصدق والتصديق : إنّ الصلاح والفساد في الأرض إنّما يكون بإثبات الرجال رجال الكمال ؛ وذلك أنّ الناس محتاجون بفطرتهم إلى اجتماع على صلاح ونظام . يسمّى كيفية ذلك الاجتماع ملّة وشريعة ، وليس يحصل ذلك الاجتماع إلّا بتعاون وتمانع ؛ فالتعاون لتحصيل ما ليس له ، والتمانع لحفظ ما هو له ؛ ولا بدّ فيهما من حدود معلومة يتعاونون عليها من البرّ والتقوى ، ( 70 آ ) ويتمانعون بها من الإثم والعدوان ؛ ولولا
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النحو .